فوزي آل سيف
12
فقه العلاقات الاجتماعية
أو أن يستدل على أنه يجب على الولد أن يطيع أباه في كل شيء حتى في اختيار زوجته ، وتطليقها وانتخاب تخصص دراسته وطبيعة عمله ومهنته بما روي عنهم ( وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك فافعل فإن ذلك من الإيمان ) . أو ذلك الذي يريد أن يجحف بحق امرأته ، ويأخذ منها ما ليس من حقوقه فيستدل بما روي من أن النبي صلى الله عليه وآله ، قال : لو أمرت أحداً بالسجود لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها !! وعلى هذا المعدل ، فإنك ترى أن الخلط بين هذه الجوانب ينتهي إلى هذه الأخطاء . فبالرغم من أننا نعتقد أنه يوجد بين الجوانب الثلاثة تلاؤم وانسجام ، لكن لا يوجد تطابق في التفاصيل فلكل جانب تفاصيله الخاصة به . إن الصحيح هو أن يحكم في كل جانب من الجوانب ما يناسبه من القوانين : ففي الجانب الأول يكون الحديث : ما بين العبد وبين الكفر بالله غير ترك الصلاة مستحلا لها .. وإن زعم أنه يؤمن في قلبه بالله تعالى .. إذ لا معنى للإيمان من دون لوازمه العبادية . وفي الثاني أي قضايا المال والتملك يأتي قانون ( لا يحل مال امرئ إلا بطيبة نفسه ) طبعا في غير النفقة الواجبة . وأما طاعة الوالدين فليست مطلقة على الولد ، وإنما يجب عليه المعاشرة لهما بالمعروف ، ويحرم عليه العقوق والإيذاء ، وأما غير ذلك مثلما ذكر في المثال فلم يعلم وجوبه بل المعلوم عدم ذلك .. وفي الثالث : يأتي ما ورد من الروايات في تحديد حق الزوج على زوجته ، وفي المقابل حقها عليه .. ويبقى الباقي مما هو مذكور ضمن الإطار الأخلاقي ، حيث أراد حديث ( أنت ومالك لأبيك ) بيان عظمة حق الوالد على الولد ، ولزوم احترامه وتعظيمه ، وهكذا الحال في بيان موقع الزوج ولزوم صيانة البناء الزوجي من خلال تكريس حالة الاحترام للزوج . في الفقه والقانون تقاس الأمور بدقة ، و ( بالملمتر ) بينما في الأخلاق والتوجيهات الوعظية ليس الأمر كذلك .. في الفقه يقول لك ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ )[51] ، ومعنى ذلك أنه يستطيع أن يبيع المنزل الذي ورثه من أبيه ، لكن التوجيهات الأخلاقية تدعوه إلى مراعاة حال والدته وأن لا تضطر إلى الكون في الشارع على أثر بيع البيت ! إن التطبيق الخاطئ للمفردات الأخلاقية ، وإحلالها في القضايا القانونية ، أو العكس ، أو وضع ما هو في العقائد في محل ما هو في الفقه يمنع كل جانب من أداء دوره المطلوب ، فهاهو احدهم يستدين من أخيه مبلغا من المال حتى إذا حل موعد السداد وسأله أخوه عن المبلغ قال له ما فائدة الأخوة إذن؟! ما بيننا من الأخوة أكبر من المال ، ويحرك والدته للتدخل في الأمر ، فتتدخل الوالدة وتطلب منه أن لا يطالبه مرة أخرى وإلا فإن ( حليبها حرام عليه ! ) . هنا استعمال خاطئ لمفردة أخلاقية وهي حقوق الأخوة ، وطاعة الوالدة في غير موقعها ، إذ يقول الفقه هنا : أعد ما اقترضته من المال لصاحبه وإن كان أخاك ، وإلا كنت ظالماً له . لاحظ عزيزي القارئ كيف أن القرآن الكريم ، يفصل بين الجانبين في آية واحدة ، فهو في قضية الاحترام والعشرة بالمعروف للوالدين يفتح المجال واسعا أمام الولد ، ولكن لا يسمح له في نفس الوقت أن يطيعهم في مخالفة العقائد الدينية ، أو يذهب في الباطل لأجل طاعتهم (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[52]. لا يعني البر بهما ما يصنعه البعض عندما يقولون لأبنائهم وبناتهم :ألا تعترف أن طاعة الوالدين
--> 51 ) النساء:11 52 ) لقمان:15